سيد قطب
92
في ظلال القرآن
إلى التعبير الذهني المفسر . . إنه التصوير . . السمة البارزة في التعبير القرآني الجميل . 94 - ثم لقد كانوا يطلقونها دعوى عريضة . . إنهم شعب اللّه المختار . إنهم وحدهم المهتدون . إنهم وحدهم الفائزون في الآخرة . إنه ليس لغيرهم من الأمم في الآخرة عند اللّه نصيب . وهذه الدعوى تتضمن أن المؤمنين بمحمد - صلى اللّه عليه وسلم - لا نصيب لهم في الآخرة . والهدف الأول هو زعزعة ثقتهم بدينهم وبوعود رسولهم ووعود القرآن لهم . . فأمر اللّه نبيه - صلى اللّه عليه وسلم - أن يدعو اليهود إلى مباهلة . أي بأن يقف الفريقان ويدعوا اللّه بهلاك الكاذب منهما : « قُلْ : إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ ، فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ » . 95 - ويعقب على هذا التحدي بتقرير أنهم لن يقبلوا المباهلة ، ولن يطلبوا الموت . لأنهم يعلمون أنهم كاذبون ؛ ويخشون أن يستجيب اللّه فيأخذهم . وهم يعلمون أن ما قدموه من عمل لا يجعل لهم نصيبا في الآخرة . وعندئذ يكونون قد خسروا الدنيا بالموت الذي طلبوه ، وخسروا الآخرة بالعمل السيئ الذي قدموه . . ومن ثم فإنهم لن يقبلوا التحدي . فهم أحرص الناس على حياة . وهم والمشركون في هذا سواء : « وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ . وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ . وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ . وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ . وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ ، وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ » . لن يتمنوه . لأن ما قدمته أيديهم للآخرة لا يطمعهم في ثواب ، ولا يؤمنهم من عقاب . إنه مدخر لهم هناك ، واللّه عليم بالظالمين وما كانوا يعملون . 96 - وليس هذا فحسب . ولكنها خصلة أخرى في يهود ، خصلة يصورها القرآن صورة تفيض بالزراية وتنصح بالتحقير والمهانة : « وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ » . . آية حياة ، لا يهم أن تكون حياة كريمة ولا حياة مميزة على الإطلاق ! حياة فقط ! حياة بهذا التنكير والتحقير ! حياة ديدان أو حشرات ! حياة والسلام ! إنها يهود ، في ماضيها وحاضرها ومستقبلها سواء . وما ترفع رأسها إلا حين تغيب المطرقة . فإذا وجدت المطرقة نكست الرؤوس ، وعنت الجباه جبنا وحرصا على الحياة . . أي حياة ! « وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ، وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ ، وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ » . . يود أحدهم لو يعمر ألف سنة . ذلك أنهم لا يرجون لقاء اللّه ، ولا يحسون أن لهم حياة غير هذه الحياة . وما أقصر الحياة الدنيا وما أضيقها حين تحس النفس الإنسانية أنها لا تتصل بحياة سواها ، ولا تطمع في غير أنفاس وساعات على الأرض معدودة . . إن الإيمان بالحياة الآخرة نعمة . نعمة يفيضها الإيمان على القلب . نعمة يهبها اللّه للفرد الفاني العاني . المحدود الأجل الواسع الأمل وما يغلق أحد على نفسه هذا المنفذ إلى الخلود ، إلا وحقيقة الحياة في روحه ناقصة أو مطموسة . فالإيمان بالآخرة - فوق أنه إيمان بعدل اللّه المطلق ، وجزائه الأوفى - هو ذاته دلالة على فيض النفس بالحيوية ، وعلى امتلاء بالحياة لا يقف عند حدود الأرض ؛ إنما يتجاوزها إلى البقاء الطليق ، الذي لا يعلم إلا اللّه مداه ، وإلى المرتقى السامي الذي يتجه صعدا إلى جوار اللّه . 97 - ويمضي السياق بتلقين جديد من اللّه لرسوله - صلى اللّه عليه وسلم - يتحداهم به ، ويعلن الحقيقة التي يتضمنها على رؤوس الأشهاد :